أبي بكر ابن عاصم القيسي الغرناطي

3

تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين ، نحمده على عظيم نعمائه وجميل بلائه ، ونستكفيه نوائب الزمان ونوازل الحدثان ، ونرغب إليه في التوفيق والعصمة ، ونبرأ إليه من الحول والقوة ، ونسأله يقينا يملأ الصدور ويعمر القلوب ، ويستولي على النفس حتى يكفها إذا نزغت ، ويردها إذا تطلعت ، وثقة بأنه عز وجل الوزر والكالىء والراعي والحافظ ، وأن الخير والشر بيده ، وأن النعم كلها من عنده ، وأن لا سلطان لأحد مع سلطانه نوجه رغباتنا إليه ، ونخلص نياتنا في التوكل عليه ، وأن يجعلنا من همه الصدق وبغيته الحق وغرضه الصواب ، وما تصححه العقول وتقبله الألباب . ونعوذ به من أن ندعي العلم بشيء لا نعلمه ، وأن نكون ممن يغره الكاذب من الثناء وينخدع للمتجور في الإطراء ، وأن يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أن يجادل بالباطل ، ويموه على السامع ولا يبالي ، إذا راجع عنه القول أن يكون قد خلط فيه ولم يسدد في معانيه . ونستأنف الرغبة إليه عز وجل إليه عز وجل في الصلاة على خير خلقه ، والمطفى من بريته ، محمد سيد المرسلين ، فقد قام صلى الله عليه وسلم بأعباء الرسالة ، مع تحرير المقالة ، وإيضاح الدلالة ، ولم يأل جهدا في الإرشاد والتهذيب ، والتبصرة والتقريب ، والإجمال للأحكام والتفصيل ، والبيان والتحصيل ، فبين كل منهج مقصود ، وكل مقصد محمود ، كل ذلك بلفظ مختصر ، وتوضيح يزيل الغير ؛ وكلام فائق ، ومعنى رائق مبين للحقائق ، وآخذ من البلاغة بالعرى الوثائق ، غني عن استنتاج المقدمات ، وكفيل بإيضاح المهمات ، حتى صارت قواعد دينه معينة ، لا يحتاج المدعي فيها إلى بينة ، ففتح لأمته باب الاجتهاد والقياس ، الذي له إلى الكتاب والسنة استناد ؛ لئلا يكون على المؤمنين حرج ، ولا يرى في دينهم عوج ، وليكون للمجتهد المخطىء أجر وللمصيب أجران ، ويؤتي الكل من رحمته كفلين ، وعلى أصحابه الخلفاء